الشنقيطي

151

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

القول بأن ذلك هو معنى الحديث . وقد قدمنا أنه لا يتعين كونه هو معناه ، وإمضاؤه له عليهم إذن هو اللازم ، ولا ينافيه قوله فلو أمضيناه عليهم . يعني ألزمناهم بمقتضى ما قالوا ، ونظيره قول جابر عند مسلم في نكاح المتعة « فنهانا عنها » عمر . فظاهر كل منهما أنه اجتهاد من عمر ، والنسخ ثابت فيهما معا كما رأيت ، وليست الأناة في المنسوخ ، وإنما هي في عدم الاستعجال بإيقاع الثلاث دفعة . وعلى القول الأول : إن المراد بالثلاث التي كانت تجعل واحدة ، أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق . فالظاهر في امضائه لها عليهم أنه من حيث تغير قصدهم من التأكيد إلى التأسيس كما تقدم . ولا إشكال في ذلك . أما كون عمر كان يعلم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، كان يجعل الثلاث بلفظ واحد واحدة ، فتعمد مخالفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وجعلها ثلاثا ، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ، فلا يخفى بعده ، والعلم عند اللّه تعالى . الجواب الرابع : عن حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما ، أن رواية طاوس عن ابن عباس مخالفة لما رواه عنه الحفاظ من أصحابه ، فقد روى عنه لزوم الثلاث دفعة سعيد بن جبير ، وعطاء بن أبي رباح ، ومجاهد ، وعكرمة ، وعمرو بن دينار ، ومالك بن الحارث ، ومحمد بن إياس بن البكير ، ومعاوية بن أبي عياش الأنصاري ، كما نقله البيهقي في السنن الكبرى ؛ والقرطبي وغيرهما . وقال البيهقي في السنن الكبرى : إن البخاري لم يخرج هذا الحديث ؛ لمخالفة هؤلاء لرواية طاوس عن ابن عباس . وقال الأثرم : سألت أبا عبد اللّه عن حديث ابن عباس : كان الطلاق الثلاث على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وأبي بكر ، وعمر رضي اللّه عنهما ، طلاق الثلاث واحدة ، بأي شيء تدفعه ؟ قال برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه ، وكذلك نقل عنه ابن منصور قاله العلامة ابن القيم رحمه اللّه تعالى . قال مقيده - عفا اللّه عنه - فهذا إمام المحدثين وسيد المسلمين في عصره الذي تدارك اللّه به الإسلام بعد ما كاد تتزلزل قواعده ، وتغير عقائده ، أبو عبد اللّه أحمد بن حنبل - رحمه اللّه تعالى - قال للأثرم وابن منصور : إنه رفض حديث ابن عباس قصدا ؛ لأنه يرى عدم الاحتجاج به في لزوم الثلاث بلفظ واحد ؛ لرواية الحفاظ عن ابن عباس ما يخالف ذلك ، وهذا الإمام محمد بن إسماعيل البخاري - وهو هو - ذكر عنه الحافظ البيهقي أنه ترك هذا الحديث عمدا ؛ لذلك الموجب الذي تركه من أجله الإمام أحمد . ولا شك أنهما ما تركاه إلا لموجب يقتضي ذلك ، فإن قيل : رواية طاوس في حكم المرفوع ، ورواية الجماعة المذكورين موقوفة على ابن عباس ، والمرفوع لا يعارض بالموقوف .